نهاية الأرب في فنون الأدب/الشمعة والشمعدان

من موسوعة الأدب العربي
اذهب إلى:تصفح، ابحث

الشمعة والشمعدان

'والسراج والقنديل'أما الشمعة، فمن جيد ما قيل فيها قول الأرجاني:

نمت بأسرار ليل كان يخفيها

وأطلعت قلبها للناس من فيها.

قلب لها لم يرعنا وهو مكتمن

إلا برقية نار من تراقيها.

سقيمة لم يزل طول اللسان لها

في الحي يجني عليها ضرب هاديها.

غريقة في دموع، وهي تحرقها

أنفاسها بدوام من تلظيها.

تنفست نفس المهجور إذ ذكرت

عهد الخليط فبات الوجد يبكيها.

يخشى عليها الردى مهما ألم بها

نسيم ريح إذا وافى يحيها.

بدت كالنجوم هوى في إثر عفرية

في الأرض فاشتعلت منه نواصيها.

نجم رأى الأرض أولى أن يبوأها

من السماء، فأمسى طوع أهليها.

كأنها غرة قد سال شادخها

في وجه ذهماء يزهيها تجليها.

أو ضرة خلقت للشمس حاسدة،

فكلما حجبت، قامت تحاكيها.

وحيدة كشباة الرمح هازمة

عساكر الليل إن حلت بواديها.

ما طنبت قط في أرض مخيمة

إلا وأقمر للأبصار داجيها.

لها غرائم تبدو من محاسنها،

إذا تفكرت يوماً في معانيها.

كصعدة في حشا الظلماء طاعنة

تسقي أسفلها ريا أعاليها.

فالوجنة الورد إلا في تناولها

والقامة الغصن إلا في تثنيها.

صفراء هندية في اللون إن نعتت

والقد واللين إن أتممت تشبيها.

فالهند تقتل بالنيران أنفسها

وعندها أن ذاك القتل يحييها.

قد أثمرت وردة حمراء طالعة

تجني على الكف إن أهويت تجنيها.

ورد تشاك به الأيدي إذا قطفت،

وما على غصنها شواك يوقيها.

ما إن تزال تبيت الليل ساهرة

وما بها غلة في الصدر تطفيها.

صفر غلائلها، حمر عمائمها

سود ذوائبها، بيض لياليها.

تحيي الليالي نوراً، وهي تقتلها.

بئس الجزاء لعمر الله تجزيها !

قدت على ثوب قد تبطنها

ولم يقدر عليها الثوب كاسيها.

غراء فرعاء ما تنفك قالية

تقص لمتها طوراً وتفليها.

شباء شعثاء لا تكسي غدائرها

لون الشبيبة إلا حين تبليها.

قناة ظلماء لا تنفك يأكلها

سنانها طول طعن أو يشظيها.

مفتوحة العين تفنى ليلها سهراً ؛

نعم، وإفناؤها إياه يفنيها.

وربما نال من أطرافها مرض

لم يشف منه بغير القطع مشفيها.

وقال آخر:

بيضاء أضحكت الظلام فراعها

فبكت واسبلت الدموع بوادرا.

جفت دموع جفونها فكأنما

كسيت من الطلع النضيد ظفائرا.

وقال أبو القاسم المطرز من الأبيات:

وللشموع عيون كلما نظرت

تظلمت من يديها أنجم الغسق.

من كل مرهفة الأعطاف كالغصن

المياد لكنه عار من الورق.

إني لأعجب منها وهي وادعة

تبلى وعيشتها من ضربة العنق !

وقال آخر:

جاءت بجسم كأنه ذهب

تبكي وتشكي الهوى وتلتهب.

كأنها في أكف حاملها

رمح لجين سنانه ذهب.

وقال محمد بن أبي الثبات، شاعر اليتيمة:

ومجدولة مثل صدر القناة

تعرت وباطنها مكتسي.

لها مقلة هي روح لها،

وتاج على الرأس كالبرنس.

إذا غازلتها الصبا حركت

لسانا من الذهب الأملس.

وتنتج من حيث ما ألقحت

ضياء يجلي دجى الحندس.

فنحن من النور في أسعد

وتلك من النار في أنحس !

وقال آخر:

ورشيقة بيضاء تطلع في الدجى

صبحا وتشفى الناظرين بدائها.

شابت ذوائبها أوان شبابها

واسود مفرقها أوان فنائها.

كالعين: في طبقاتها ودموعها

وبياضها وسوادها وضيائها.

وقال الصاحب بن عباد:

وشمعة قدمت إلينا

تجمع أوصاف كل صب:

صفرة لون وذوب جسم

وفيض دمع، وحر قلب.

وقال السري الرفاء:

مفتولةٌ مجدولةٌ

تحكي لنا قد الأسل.

كأنها عمر الفتى

والنار فيها كالأجل.

ومما ورد في وصفها نثرا. من رسالة لابن الأثير الجزري جاء منها:وكان بين يدي شمعة تعم مجلسي بالإيناس، وتغني بوجودها عن كثرة الجلاس، وكانت الريح تتلاعب بشعبها، وتدور على قطب لهبها ؛ فطورا تقيمه فيصير أنمله، وطورا تميله فيصير سلسله ؛ وتارة تجوفه فيصير مدهنه، وتارة تجعله ذا ورقات فيمثل سوسنه ؛ وآونة تنشره فيبسط منديلا، وآونة تلقه على رأسها فيستدير إكليلا. ومن رسالة أخرى له:وكانت الريح تتلاعب بلهبها لدى الخادم فتشكله أشكالاً، فتارة تبرزه نجما، وتارة تبرزه هلالا، ولربما سطع طورا كالجلنارة في تضاعيف أوراقها، وطورا كالأصابع في انضمامها وافتراقها. وقال سيف الدين المشد في الفانوس:

وكأنما الفانوس في غسق الدجى

دنف براه سقمه وسهاده.

حنيت أضالعه ورق أديمه

وجرت مدامعه وذاب فؤاده.

ومما قيل في السراج

من رسالة لأبي عبد الله محمد بن أبي الخصال، جاء منها:عذرا إليك أيدك الله ! فإني خططت والنوم مغازل، والقرنازل ؛ والريح تلعب بالسراج، وتصول عليه صولة الحجاج ؛ فطورا تبرزه سنانا، وتحركه لسانا ؛ وآونه تطويه جنابه، وأخرى تنشره ذوائبه ؛ وتارة تقيم إبرة لهب، وتعطفه برة ذهب ؛ وحينا تقوسه حاجب فتات، ذات غمزات ؛ وتسلطه على سليطه، وتديله على خليطه ؛ وربما نصبته أذن جواد، ومسخته حدق جراد ؛ ومشتقه حروف برق، بكف ودق ؛ ولثمت بسناه قنديله، وألقت على أعطافه منديله ؛ فلاحظ منه للعين، ولا هداية في الطرس لليدين.

رسالة القنديل والشمعدان.

من إنشاء الولى الفاضل البارع البليغ تاج الدين عبد الباقي بن عبد المجيد اليماني، سمعتها من لفظه، وقرأتها عليه، وأجاز لي روايتها عنه، وهي الموسومة بزهر الجنان، في المفاخرة بين القنديل والشمعدان. ابتدأها بأن قال:الحمد لله الذي أنار حالك الظلماء، بأنوار بدر السماء ؛ وحلي جيدها، بعقود النجوم، وحرس مشيدها، بسهام الرجوم ؛ وجعلها عبرة للاستبصار، ونزهة للأبصار ؛ غشاؤها لا زورد مكلل بنضار، أو أقاحي خميلة تفتحت فيها أزرار الأزهار ؛ تهدى السارى بسواريها، وتزرى بالدررر أنوار دراريها ؛ كرع في نهر مجرتها النسران، ورتع في مراعي رياضها الفرقدان. أحمده على نعمه التي لا يقوم بشكرها لسان، ولا يؤدي واجب حقها إنسان يجلب إلى الحامد أنواع الإحسان، ويسوق إلى الشاكر ركائب الخيرات الحسان. وأصلي وأسلم على سيدنا محمد الذي أنار الله بوجوده ظلمة الوجود، وأظهر بظهور أفعال الركوع والسجود ؛ صلى الله عليه وسلم وعلى آله الوافين للعهود، وعلى أصحابه أهل الإفضال والجود، صلاة وسلام دائمين إلى اليوم الموعود !وبعد فإن فنون الآداب كثيرة الشعوب، متباينة الأسلوب ؛ طالما تلاعب الأديب بفنونها بين جد ومجون، وكيف لا والحديث ذو شجون.وكنت بحمد الله ممن هو قادر على إبراز ملح الأدب، وعلى إظهار لطائف لغة العرب ؛ فتمثل في خاطري المفاخرة بين الشمعدان والقنديل، ولا بد من إبراز المفاخرة بينهما في أحسن تمثيل ؛ لأنهما آلتا نور، ونديما سرور ؛ طالما مزقا جلباب الدجى بأضوائهما، وحسما مادة الظلمة بأنوارهما ؛ وطلعا في سماء المجالس بدورا، وأخجلا نور الرياض لما أصدر من جوهرهما نورا.سما كل واحد منهما إلى أنه الأصل، وأن بمدحه يحسن الفضل والوصل ؛ وأنه الجوهرة اليتيمة، والبدرة التي ليست لها قيمة ؛ سارت بمحاسنه ركائب الركبان، ونظمت في جيد مجده قلائد العقيان. فأحببت أن أنظمهما في ميدان المناظرة ليبرز كل واحد منهما خصائصه الواضحة، ويظهر نقائص صاحبه الفاضحة ؛ وليتسم غارب الاستحقاق بالفضيلة، ويؤكد في تقرير فضائله الراجحة دليله ؛ مع أنه لا تقبل الدعاوى إلا بالبرهان، ولعمري لقد قيل قدماً:

من تحلى بغير ما هو فيه

فضحته شواهد الامتحان.

فأتلع الشمعدان جيدة للمطاولة، وعرض سمهريه اللجيني للمناضلة، وقال:استنت الفصال حتى القرعىلست بنديم الملوك في المجالس، كلا ولا الروضة الغناء للمجالس ! طالما أحدقت بي عساكر النظار، ووقفت في استحسان هياكلي رؤية الأبصار ؛ وحملت على الرؤوس إذا علقت بآذانك، وجليت كجلاء المرهفات إذا اسود وجهك في دخانك. فنضنض لسان القنديل ونضنضة الصل، وارتفع ارتفاع البازي المطل.وقال:إن كان فخرك بمجالسة السلاطين، فافتخاري بمجالسة أهل الدين !، طالما طلعت في أفق المحراب نجما ازداد علا، وازدانت الأماكن المقدسة بشموس أنواري حلا ؛ جمع شكلي مجموع العناصر، فعلى مثلي تعقد الخناصر ؛ يحسبني الرائي جوهرة العقد الثمين، إذا رأى اصفرار لونك كصفرة الحزين ؛ ولقد علوتك في المجالس زمانا، ومن صبر على حر المشقة ارتفع مكانا. فنظر إليه الشمعدان مغضبا، وهم بأن يكون عن جوابه منكبا.وقال:أين ثمنك من ثمني، ومسكنك من مسكني ؟ صفائحي صفحات الإبريز، فلذا سموت عليك بالتبريز ؛ تنزه العيون في حمائلي الذهبية، وتسر النفوس ببزوغ أنواري الشمسية ؛ ولا يملكني إلا من أوطنته السعدة مهادها، وقربت له الرياسة جيادها ؛ ولقد نفعت في الصحة والسقم، وازدادت قيمتي إذا نقصت في القيم ؛ وإن انفصمت عراك فلا تشعب، ولا تعاد إلى سبك نار فتصب وتقلب ؛ لست من فرسان مناظرتي، ولا من قرناء مفاخرتي. فالتفت القنديل التفات الضرغام، وفوق إلى قرينه سهام الملام.وقال:أنت عندي كثعاله، ولا محاله ؛ طالك العنقود، فأبرزت أنواع الحقود ؛ وأين الثريا من يد المتناول ؟ أم أين السها من كف المتطاول ؟ تالله إنك في صرفك بصفرك مغلوط ! لقد خصصت بالعلو وخصصت بالهبوط.ترى باطني من ظاهري مشرقا، وتخالني لخزائن الأنوار مطلقا ؛ فحديث سيادتي مسلسل، وتاج فضائلي بجوهر العلو مكلل. فلحظه الشمعدان بطرف طرفه، وأرسل في ميدان المناظرة عنان طرفه.وقال:إن افتخارك بالعلو غير مفيد، وميزة اختصاصك به ليس له أبهة مزيد ؛ طالما على القتام وانحطت الفرسان، ومكث الجمر وسما الدخان ؛ ولقد صيرتك كنظر المشنوق حاله، وكضوء السها ذباله ؛ وأنت الخليق بما قيل:وقلب بلا لب، وأذن بلا سمعوسلاسلك تشعر بعقلك، وعلوك يبني على غلو إسقاط كمثلك ؛ عادلت التبر كفة بكفه، ووزنته إذا كان فيه خفه ؛ فأصخ لمفاخري الجليله، واستمع مناقبي الجميلة.أطارد جيوش الظلماء برمحي، وأمزق أثواب الديجور بصبحي ؛ وجمع عاملي بين طلع النخل، وحلاوة النحل، يتلو سورة النور لساني، ويقوى في مصادمة عساكر الليل البهيم جناني ؛ أسامر المليك خلوه، ويستجلى من محاسني أحسن جلوه. ولله در القائل:

انظر إلى شمعدان شكله عجب

كروضة روضت أزهارها السحب.

يطارد الليل رمح فيه ورق

سنانه لهب من دونه الذهب.

فمثل هذه المناقب تتلى، ومثل هذه المحاسن تظهر وتجلى. فأضرم نار تبيينه، في أحشاء قرينه.فعندها قال القنديل:لقد أطلت الافتخار بمحاسن غيرك، لما وقفت في المناظرة ركائب سيرك ؛ فاشكر اليد البيضاء من شمعك، واحرص على معرفة قيمتك ووضعك ؛ وأما افتخارك بتلاوة سورة النور، فأنا أحق بها منك إذ محلي الجوامع، والفرقان فارق بيني وبينك مع أنه ليس بيننا جامع ؛ ففضيلتي فيه بينه، وآية نورى في سورة النور مبينة ؛ فاقطع مواد اللجاجة، واقرأ الآية المشتملة على الزجاجة ؛ يظهر لك من هو الأعلى، ومن بالفتخار الأولى ؛ تخالني درة علقت في الهواء، أو كوكبا من بعض كواكب الجوزاء. ولله در القائل:

قنديلنا فاق بأنواره

نور رياض لم تزل مزهره.

ذبالة فيه إذا أوقدت

حكت بحسن الوضع نيلوفره.

لا يحمل الأقذاء خاطري، ولا يغتم مشاهدي وناظري ؛ فأنا خلاصة السبك، والتبر الذي لا يفتقر إلى الحك ؛ اشتقاق اسمك من النحوس، ومن جرمك تقام هياكل الفلوس ؛ لقد عرضت نفسك للمنية، وانعكست عليك مواد الأمنية ؛ مع أن الحق أوضح من لبة الصباح، وأسطع من ضوء المصباح ؛ والآن غضصت بريقك، وخفيت لوامع بروقك ؛ فهذه الشهباء والحلبة، وهذه ميادين المناظلة رحبه. فحار الشمعدان في الجواب، وجعل ما بداه أولاً فصل الخطاب. فقال القنديل:لا بد من الإقرار بأن قدح المعلى، وأن عليك بالتقديم الأولى ؛ وأن مقامي العالي، ونوري المتوالي. فقال الشمعدان:لا منازعة فيما جاء به الكتاب من تفضيلك، وكونك الكوكب الدري الذي قصر عن بلوغك باع مثيلك. فجنح الشمعدان للسلم، وترفع عن استيطان مواطن الإثم ؛ وشرع يبدي شعائر الخضوع، وينشر أعلام الأوبة عما قال والرجوع ؛ قال:لولا حمية النفوس، ما تجملت بمفاخرنا صفحات الطروس ؛ ولولا القال والقيل، ما ضمنا معرض التمثيل ؛ ولكن أين صفاءك من كدري، وأين نظرك من نظري ؛ خصك الله بنوره، وذكرك في فرقانه وزبوره. فعندها تهلك أسارير القنديل، وتبسم فرحاً بالتعظيم والتبجيل.وقال:حيث رجعنا إلى شرع الإنصاف، وإظهار محاسن الأوصاف ؛ ففضلك لا يبارى، ووصفك لا يجارى ؛ يحسبك الرائي خميلة نور تفتحت أزهارها، وحديقو نرجس أطردت أنهارها ؛ تسر بك النفوس، وتدار على نضارتك الكؤوس ؛ وإن اللائق بحالنا طي بساط المنافسة، وإخماد شرر المقابسة ؛ واستغفار فيما فرض من كلامنا، والرجوع إلى الله في إصلاح أقوالنا وأفعالنا. ونقول:الأصل فيما نقلناه عدمه، فقد حف كل واحد منا في إبراز معايبة قلمه.ونسأل الله أن تدوم لنا نعمه، ويتعاهدنا في المساء والصباح كرمه ! بمنه وجوده وكرمه ! آمين !^

القسم الثالث من الفن الأول

شارك هذه الصفحة:

تابع موسوعة الأدب العربي على شبكات التواصل الإجتماعي