عزل عميد الدولة
عن الوزارة وميسر والده إلى ديار بكروفي سنة ست وسبعين وأربعمائة في صفر فخر الدولة بن جهير عن الوزارة، ووصل في يوم عزله له رسول من السلطان ومن نظام الملك إلى الخليفة يطلبان معه أن يرسل إليهما بني جهير فأذن لهم.فساروا بجميع أهلهم ونسائهم، فصادفوا من السلطان ومن نظام الملك الإكرام والاحترام، وعقد السلطان لفخر الدولة بن جهير على ديار بكر وخلع عليه وأعطاه الكوسات وسيّر معه العساكر وأمره أن يأخذها من بني مروان، وأن يخطب لنفسه ويذكر اسمه على السكة، فسار إليها. قال: ولما فارق بنو جهير بغداد رتّب الديوان أبو الفتح المظفر ابن رئيس الرؤساء، ثم عزله في السنة وولى أبا شجاع محمد بن الحسين وخلع عليه خلع الوزراء. وفي سنة سبع وسبعين وأربعمائة استولى عميد الدولة على الموصل. وفيها فتح سليمان بن قُتُلمِش السُّلجقي صاحب الروم أنطاكية وكانت بيد الروم من سنة ثمانٍ وخمسين وثلاثمائة. وفي شهر صفرٍ انقضّ كوكبٌ من الشرق إلى الغرب كان حجمه وضوؤه كالقمر، وسار مدىً بعيداً على مهْلٍ في نحو ساعة. وفي سنة ثمانٍ وسبعين وأربعمائة استولى الفَرنج على مدينة طُليطلة وأخذوها من المسلمين على ما نذكره - إن شاء الله تعالى - في أخبار الأندلس. وفيها في شهر ربيع الأول هاجت ريح عظيمة سوداء بعد العشاء، وكثرُ الرَّعْدُ والبرق وسقط على الأرض رملٌ أحمر وترابٌ كثيرٌ، وكانت النيران تضطرم في أطراف السماء، وكان أكثر ذلك بالعراق والمَوْصل، فألقت النخل، وسقط معها صواعق في كثير من البلاد ثم انجلى ذلك نصف الليل. وفيها في شهر ربيع الأول توفي أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني إمام الحرمين، ومولده سنة سبع عشرة وأربعمائة. وفي سنة تسع وسبعين وأربعمائة ملك السلطان ملكشاه مدينة حلب واللاذقية وكفر طاب وأفامية. وفيها من شهر ربيع الأول توفي بهاء الدولة أبو كامل منصور بن دُبيس بن علي بن مزيد الأسدي صاحب الحلة والنيل وولى ابنه سيف الدولة صدقة. وفيها أُسقط اسم العلويّ صاحب مصر من الحرْمين الشريفين وذُكر اسم الخليفة المقتدي بأمر الله. وفيها أُسقطت المكوس من العراق. وفي سنة ثمانين وأربعمائة في المحرم زُفّت ابنة السلطان ملكشاه إلى الخليفة، ونُقل جهازُها على مائةٍ وثلاثين جملاً مجللة بالديباج الرومي، وكان أكثر الأحمال الذهب والفضة، وثلاث عماريات، وعلى أربعةٍ وسبعين بغلاً مجللة بأنواع الديباج الملكي وأجراسها وقلائدها من الذهب، وعلى ستة منها اثنا عشر صندوقاً من فضة فيها من الجواهر والحلي ما لا تقدر قيمته، وأما البغال ثلاث وثلاثون فرساً من الخيول السوابق عليها مراكب الذهب.وسار أمام الجهاز سعد الدولة والأمير برسق وغيرهما ؛ وكانت ليلة مشهورة، فلما كان من الغد أحضر الخليفة أمراء السلطان لِسِماط أمر بعمله حُكي أنه عُمل فيه أربعون ألف منٍّ من السكر.وخلع الخليفة على جميع أمراء السلطان ومن له ذكرٌ في العسكر وأرسل الخلع إلى جميع الخواتير وولدت في هذه السنة من الخليفة ولداً وهو أبو الفضل جعفر. وفي سنة إحدى وثمانين وأربعمائة في شهر ربيع الآخر أمر الخليفة بإخراج الأتراك الذين مع الخاتون زوجته من حريم دار الخلافة، وكان سبب ذلك أن تركياً منهم اشترى فاكهة من طواف فتكالما فشتمه الطواف فضربه التركي فشجّه، فاجتمعت العامة وشنّعوا أو استغاثوا، فأمر الخليفة بإخراج الأتراك فأُخرجوا على أقبح صورة. وفي سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة أرسل السلطان ملكشاه إلى الخليفة يطلب ابنته طلباً لا بد منه، وسبب ذلك أنها كانت قد أرسلت إليه تشكو من إطراح الخليفة لها وإعراضه عنها فأذن لها في المسير، فسارت في شهر ربيع الأول ومعها ابنها من الخليفة فوصلت إلى أصفهان فأقامت إلى ذي القعدة وتوفيت. وفي سنة أربع وثمانين وأربعمائة في شهر ربيع الأول عُزل الوزير أبو شجاع، وكان عزله في يوم الخميس فقال:
تولاها وليس له عدوٌّ
وفارقها وليس له صديق
فلما كان من الغد يوم الجمعة خرج من داره إلى الجامع ماشياً فاجتمع عليه خلق كثير، فأُمر أن لا يخرج من بيته، واستنيب في الوزارة أبو سعد بن موصلايا كاتب الإنشاء وأرسل الخليفة إلى السلطان يستدعي منه عميد الدولة بن جهير يستوزره، فسُيِّر إليه فاستوزره في ذي الحجة من السنة. وفيها ملك الفرنج جزيرة صِقِلية. وفيها في تاسع شعبان كان بالشام وكثيرٍ من البلاد زلازل، ففارق الناس مساكنهم وانهدم بأنطاكية كثير من المساكن والدور، وهلك تحتها خلق كثير، وخُرّب من بروجها تسعون برجاً. وفي سنة خمسٍ وثمانين وأربعمائة قُتل نظام الملك في عاشر شهر رمضان. وفيها توفي السلطان ملكشاه وملك بعده ابنه محمود. وفي سنة سبع وثمانين وأربعمائة خطب للسلطان بركيارق بن ملكشاه ببغداد في يوم الجمعة رابع المحرم.
